عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
221
اللباب في علوم الكتاب
والمراد ب « شيء » حينئذ : ذلك المستحقّ ، والمراد ب « الأخ » المقتول ، ويحتمل أن يراد على هذا القول أيضا : القاتل ، ويراد بالشيء الدية ، و « عفي » بمعنى : [ « يسّر » على هذين القولين ، وقيل : بمعنى « ترك » . وشنّع الزّمخشريّ على من فسّر « عفي » ] « 1 » بمعنى « ترك » قال : فإن قلت : هلّا فسّرت « عفي » بمعنى « ترك » ؛ حتى يكون شيء في معنى المفعول به . قلت : لأنّ : « عفا الشّيء » بمعنى تركه ، ليس يثبت ، ولكن « أعفاه » ، ومنه : « وأعفوا اللّحى » « 2 » ، فإن قلت : قد ثبت قولهم : « عفا أثره » إذا محاه وأزاله ، فهلّا جعلت معناه : « فمن محي له من أخيه شيء » قلت : عبارة قلقة في مكانها ، والعفو في باب الجنايات عبارة متداولة مشهورة في الكتاب والسّنة ، واستعمال النّاس ، فلا يعدل عنها إلى أخرى قلقة نابية عن مكانها ، وترى كثيرا ممن يتعاطى هذا العلم يجترىء إذا أعضل عليه تخريج وجه للمشكل من كلام اللّه تعالى على اختراع لغة ، وإدّعاء على العرب ما لم تعرفه ، وهذا جرأة يستعاذ باللّه منها . قال أبو حيّان « 3 » : إذا ثبت أنّ « عفا » بمعنى « محا » فلا يبعد حمل الآية عليه ، ويكون إسناد « عفا » لمرفوعه [ إسنادا حقيقيا ؛ لأنّه إذ ذاك مفعول به صريح ، وإذا كان لا يتعدّى كان إسناده لمرفوعه ] « 4 » مجازا ؛ لأنّه مصدر مشبّه بالمفعول به ، فقد يتعادل الوجهان ؛ أعني : كون « عفا » اللّازم لشهرته في الجنايات ، و « عفا » المتعدّي بمعنى « محا » لتعلّقه بمرفوعه تعلّقا حقيقيا . فإن قيل : تضمّن « عفا » معنى ترك . فالجواب : أنّ التّضمين لا ينقاس ، وقد أجاز ابن عطيّة « 5 » - رحمه اللّه - أن يكون « عفا » بمعنى « ترك » . وقيل إنّ « عفي » بمعنى فضل ، والمعنى : فمن فضل له من الطائفتين على الأخرى شيء من تلك الدّيات ؛ من قولهم : عفاء الشّيء إذ كثر ، وأظهر هذه الأقوال أوّلها . فصل [ في وجوب العهد أحد أمرين : إما القصاص وإما الدية ] اعلم أنّ الّذين قالوا : يوجب العهد أحد أمرين : إمّا القصاص ، وإمّا الدّية : تمسكوا بهذه الآية ، فقالوا : الآية تدلّ على أنّ فيها عافيا ومعفوّا عنه ، وليس هاهنا إلّا وليّ الدم ،
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 10 / 351 ) كتاب اللباس : باب إعفاء اللحى ( 5893 ) ومسلم ( 1 / 222 ) كتاب الطهارة : باب خصال الفطرة حديث ( 52 / 259 ) من حديث ابن عمر . ( 3 ) ينظر : البحر المحيط 2 / 15 . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) ينظر : المحرر الوجيز 1 / 246 .